السلمي
186
المقدمة في التصوف
السّنيّة بدورا ، وفيه ارتقت الحقائق منه إليه ، وتنزّلت علوم آدم به فيه عليه ، فأعجز كلا من الخلائق فهم ما أودع من السّرّ فيه ، وله تضاءلت الفهوم وكلّ عجزه يكفيه ، فذلك السّرّ المصون لم يدركه منّا سابق في وجوده ، ولا يبلغه لاحق على سوابق شهوده ، فأعظم به من نبيّ رياض الملك والملكوت بزهر جماله الزّاهر مؤنقة ، وحياض معالم الجبروت بفيض أنوار سرّه الباهرة متدفّقة ، ولا شيء إلا وهو به منوط ، وبسرّه السّاري محوط ، إذ لولا الواسطة في كلّ صعود وهبوط لذهب كما قيل الموسوط صلاة تليق بك منك إليه ، وتتوارد بتوارد الخلق الجديد والفيض المديد عليه ، وسلاما يجاري هذه الصّلاة فيضه وفضله كما هو أهله ، وعلى آله شموس سماء العلا ، وأصحابه والتّابعين ومن تلا . اللّهمّ إنّه سرّك الجامع لكلّ الأسرار ، ونورك الواسع بجميع الأنوار ، ودليلك الدّال بك عليك وقائد ركب عوالمك إليك ، وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك فلا يصل واصل إلا إلى حضرته المانعة ، ولا يهتدي حائر إلا بأنواره اللامعة . اللّهمّ ألحقني بنسبه الرّوحي ، وحقّقني بحسبه السّبّوحي ، وعرّفني إيّاه معرفة أشهد بها محيّاه ، وأصير بها مجلاه ، كما يحبّه ويرضاه ، وأسلم بها من ورود موارد الجهل بعوارفه ، وأكرع بها من موارد الفضل بمعارفه ، واحملني على نجائب لطفك وركائب حنانك وعطفك وسر بي في سبيله القويم وصراطه المستقيم إلى حضرته المتّصلة بحضرتك القدسيّة المتبلّجة بتجلّيّات محاسنه الأنسيّة ، حملا محفوفا بجنود نصرتك ، مصحوبا بعوالم أسرتك ، واقذف بي على الباطل بأنواعه في جميع بقاعه ، فادمغه بالحقّ على الوجه الأحقّ ، وزجّ بي في بحار الأحديّة المحيطة ، بكلّ مركّبة وبسيطة ، وانشلني من أوحال التّوحيد إلى فضاء التّفريد ، المنزّه عن الإطلاق والتّقييد ، واغرقني في عين بحر الوحدة شهودا ، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحسّ إلا بها نزولا وصعودا ، كما هو كذلك لن يزال وجودا ، واجعل اللّهمّ ذلك لديه ممدوحا وعندك محمودا ، واجعل اللّهمّ الحجاب الأعظم حياة روحي كشفا